أحمد بن ابراهيم النقشبندي
259
شرح الحكم الغوثية
[ الفاتحة : 5 ] ، وهو القيام في الظاهر بأحكام الفرق ، والتحقق في الباطن بمقام الجمع ، مقام أهل اليقين ، فمن تحقق بذلك وارتشف من كئوس مدامه ، هنالك سمع من الحق ، وبلغ عنه ، أو دلّ عليه ، ويتبرأ من حوله وقوته إليه ، فلذلك فسّر هذا العارف الصراط بما هو النتيجة والقصد الأعظم من هذا المنهل العظيم ، فكان الصراط المستقيم هو هو لا سواه ؛ لأن اللب وما سواه كالقلب له يحفظه ويرعاه ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الحج عرفة « 1 » » ، ومن فهم بلاغة هذا الحديث فهم بلاغة كلام هذا العارف « 2 » ، فلله دره ما كان أبلغ كلامه وألطفه .
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 3 / 237 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1003 ) . ( 2 ) قال سيدي عبد الحق ابن سبعين في رسالته في عرفة : فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ، وهو حديث انفرد به هذا الرجل من الصحابة ، إلا أنه مجمع عليه ، واختلفوا فيمن وقف بعرفة بعد الزوال ، ثم دفع منها قبل غروب الشمس ، فقال مالك : عليه حج قابل ، إلا أن يدفع قبل الفجر ، وإن دفع منها قبل الإمام وبعد الغيبوبة أجزاه . وبالجملة فشرط صحة الوقوف عنده هو أن يقف ليلا ، وقال جمهور العلماء : من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل الغروب ، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم عليه ، وعمدة الجمهور حديث عروة بن مضرس ، وهو حديث مجمع على صحته قال : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بجمع ، فقلت : هل لي من حج فقال : « من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض من قبل ذلك من عرفات ليلا ونهارا فقد تم حجه وقضى تفثه » ، وأجمعوا على أن المراد بقوله في هذا الحديث « نهارا » ، أنه بعد الزوال ، ومن اشترط الليل احتج بوقوفه بعرفة صلى اللّه عليه وسلم حتى غربت الشمس . لكن الجمهور أن يقول إن وقوفه بعرفة إلى المغيب لما روي من حديث عروة بن مضرس أنه على جهة الأفضل ، إذ كان مخيرا بين ذلك ، روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من طرق أنه قال : « عرفة كلها موقف ، وارتفعوا عن بطن عرفة ، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر ، ومنى كلها منحر وفجاج مكة منحر ومبيت » . واختلف الفقهاء فيمن وقف من عرفة بعرفة ، فقيل : حجه تام وعليه دم ، وبه قال مالك ، وقال الشافعي : لا حج له ، وعمدة من أبطل الحج النهي الوارد عن ذلك في الحديث ، وعمدة من لم يبطله أن الأصل أن الوقوف بكل عرفة جائز ، إلا ما قام عليه الدليل ، قالوا : ولم يأت هذا الحديث من وجهه يلزم بهذه الحجة والخروج عن الأصل ، فهذا هو القول في السنن التي في يوم عرفة . -